google.com, pub-6282892942598646, DIRECT, f08c47fec0942fa0 مخاضات قرن من العزلة ..'إن الحياة هي ما نتذكر وكيف نتذكر' | الـوقـائـع بـريــس
الرئيسية » » مخاضات قرن من العزلة ..'إن الحياة هي ما نتذكر وكيف نتذكر'

مخاضات قرن من العزلة ..'إن الحياة هي ما نتذكر وكيف نتذكر'

كتبـه annachraalikhbaria الثلاثاء، 29 أبريل 2014 | 2:58:00 ص

 ثقافـة وفنـون..
مخاضات قرن من العزلة ..
'إن الحياة هي ما نتذكر وكيف نتذكر'


إدريـس الجـاي
غابرييل غارسيا ماركيز، مراسل، كاتب سيناريو، روائي مؤلف احد أعظم الأعمال الروائية فارقنا عن عمر 87 عاما في مدينة مكسيكو وبقي يمثل حالة نادرا ما سنحت ظروفها المتردية بإنجاب عمل أدبي كبير لم يساهم فقط في تحويل كاتبه خلال فترة وجيزة من ظهوره إلى رجل غني، بل اعتبر أيضا مجدد الأدب العالمي بقوة الخيال، الشاعرية، النكتة والحس الإيقاعي. لقد انشأ غابرييل غارسيا ماركيز رؤية مذهلة واقعية وسحرية، تجاوز بها أيضا إعجاب النقاد إلى افتتان ملايين من الجمهور الواسع.ذ

تجربة العزلة – موضوع الحياة

لقد جاء هو نفسه من خط التماس، ولد الابن البكر من بين احد عشر طفلا في عائلة تلغرافي سنة 1927 في أراكاتكا، واحدة من مزارع الموز المحيطة ببلدة فقيرة قرب الساحل الكولومبي الشمالي . فقد تشكلت حياته من تجربة العزلة، الفردية والأسرية، ولكن أيضا الثقافية والتاريخية، التي ستصبح لاحقا موضوعا مركزيا للحياة. غادر مرتع طفولته منذ سن الثامنة من العمر، موطن ولادته، الذي سيخلق منه لاحقا ماكوندو، المركز الخيالي لكونه الأدبي، هذا المكان، الذي رغم انه متخلى عنه من الله والتاريخ، فهو عالم طافح بذكريات الإعجاب الطفولي، بالخدع الرائعة من حكايات الكاريبي، الاعتقاد في المعجزات والأحداث المثيرة، التي ازدهرت بشكل رائع في المناخ الاستوائي وركود يمكن جعله مطيعا في جو قائظ من الانتظار .
حين بلغ السابعة والثامنة والثلاثين من العمر استيقظ ذات يوم وهو يحمل في داخله قرار التخلي عن كل شيء سبق أن مارسه في حياته من اجل كسب قوته اليومي : العمل في الصحافة ومجال الإعلان . لم يكن يملك غير خياله وخمسة ألاف دولار، التي كان قد ادخر جزءا منها عن طريق عمله والجزء الأخر حصل عليه بكيفية أو بأخرى. ولأجل خلق أجواء كتابة ممكنة وضع مدخره المالي هذا في يد زوجته مرسيدس كنفقة مقدمة لستة أشهر، فترة إتمام كتابة رواية.
مثل ممسوس بالجنون بدأ يكتب روايته الكبيرة، ‘مئة عام من العزلة’، قمة أعماله الأدبية، التي منحته لاحقا لقب غابو، الذي كان ربما أجمل تقدير لهذا المؤلف الحائز على الجوائز وأجمل الألقاب الفخرية المتميزة. انه صوت الأدب العالمي في أمريكا اللاتينية، رمز الواقعية السحرية، كما يصفه البعض، الكاتب الأكثر شعبية منذ سرفانتس في عالم اللغة الإسبانية، بينما البعض الآخر يراه: ‘أعظم منهم جميعا’. ويتمدد الموعد المضروب ليصبح بدل الستة أشهر أربعة عشر شهرا دون أن تسعفه الكلمات حتى يضع النقطة الأخيرة خلف الحرف الأخير من عالم قرن من العزلة .

كتاب مثل الانعتاق

ظهور رواية ‘مائة عام من العزلة’ سنة 1967، زامنت السنة التي فشل فيها إرنستو تشي غيفارا في بوليفيا فشلا ذريعا، وأمكن قراءتها على أنها رفض لاي ثوري اجتماعي أوتوبي . لان غارسيا ماركيز، اليساري وصديق فيدل كاسترو، يروي قصة صعود وانهيار ماكوندو كمهزلة تاريخية أسطورية، التي تٌكرر فيها قبيلة بوينديا في عزلة الغاب وبلا كلل كافة الأخطاء، التي يتحدث عنها الكتاب المقدس وكتب التاريخ، هروبا من قدرهم، الذي سطرت خطوطه أنفا. ومع ذلك ليس هناك من طريق مخرج من ‘المدينة المرآة أو (الانعكاسات )’. تدور القصة في شكل دائري، ترمز إلى ذيل خنزير مجعد، الذي ولد به كنتيجة لأنشطة علاقات زنى المحارم المتواصلة دون انقطاع آخر بويندي .
إن ما كان يشد الانتباه في حياة غارسيا ماركيز هو ذلك الثراء في العلاقات وربطه جملة من الصداقات مع اهم كتاب امريكا اللاتينية مثل كاريوس فوينتيس وماريا فارغاس يوسا وخوان رولفو، الذين اكتشف جميعهم وبإحساس جد مبكر مواهبه الجبارة المتدفقة والمتنامية في شخصه، الذي كثيرا ما كان يوصف بالخجول. غير أن لقب غابو لاحقا كان أكثر من تعبيرعن المحبة والتقدير للروائي أسطوري مبجل، استطاع نيل إعجاب الجمهور العريض، حيث سحرغابرييل غارسيا ماركيز بموهبته الثرة المحتالة، كل الاحتمالات والصعاب، لجعل اللعبة تبدو سهلة ويصبح التحرر من أصعب الحالات حيلة أنيقة.
لقد كان الانتظار ملازما لمخاضات رواية مئة عام من العزلة حيث لم تصمد الخمسة ألاف دولار في وجه زحف الأيام وتراكم الشهور، وحين نفد المال لم ينفد صبر الكاتب ولا انتظار مرسيدس، التي عبأت كل طاقاتها لمقاومة هذا الزحف اليومي المتنافخ . تارة بالاستغناء عن اللوازم الحياتية وأخرى برهن الممتلكات المنزلية حتى يبقى زورق الأسرة بمن فيه الكاتب الزوج وولداها، طافيا فوق سطح بحر تتفاقم فيه أمواج مشاكل إبحار متأخر بما يزيد عن ستة اشهر وحيث ديون الجزار، البقال وبائع الخضر تملأ الدفاتر والكل ينتظر.

الانتظار العاجز

عند غارسيا ماركيز هناك دائما شخص ما في انتظار، وكيف يمكن أن تهمل الحياة، فقد سرده في كثير من الطرق المختلفة: في ‘ليس للعقيد من يكاتبه’ (1961 ) يأمل جندي قديم عبثا لمدة 56 سنة في الحصول على تقاعده. انه منسي مثل عدد كبير من شخصيات غارسيا ماركيز ، وحتى المشهورين ‘ 51 سنة، تسعة أشهر وأربعة أيام’، يربط بذلك فلورنتينو أريزا الحفاظ على عشق امرأة حياته في تدفق نهاية سعيدة. هكذا فقط، من اجل المضي في عزلة الحب الرومانسي، الذي يجعل الزوجين المسنين مجذومين ‘الحب في زمن الكوليرا’، (1985). عجز الانتظار يرافق مختالا عبث المعاملة كما جاء في مئة عام من العزلة : ‘السيد العقيد أوريليانو بوينديا يحرض اثنين وثلاثين من مسلحي الانتفاضة ويخسرهم جميعا. كان لديه من سبع عشرة امرأة مختلفة، سبعة عشر من الأبناء المختلفين، الذين أبيدوا واحدا تلو الآخر في ليلة واحدة … ‘، في هذه الموازنة الشحيحة لحياة فيما يبدو جد نشيطة يتقلص الوضع الكئيب لأمريكا اللاتينية في جملة، يسمع وقعها وكأنها مزحة.
حين وضع غارسيا ماركيز النقطة الأخيرة وراء الحرف الأخير من الرواية وأراد إرسالها إلى الناشر في بيونس آيرس لم يكن لديه كفاية من المال لبعث الرواية بكاملها . فقد اكتفى اضطرارا إلى إرسال عشرة أجزاء منها فقط . وحتى يمكن توفير المبلغ المتبقي لإرسال الأجزاء الفاضلة، جمعت مرسيدس أخر ما بقي لديها من الممتلكات بما فيها مجفف شعرها وراحت تبحث عن راهن جديد.
كان للكتاب وقع مثل التحرر. فيما لا يبدو انه حقق سياسيا نجاحا، فقد فتن بشكل مذهل الملايين من خلال بساطة واقعية سحرية الطالعة من قمة خيال: لتحويل كآبة الخمول بعد قرون من الاستغلال والاضطهاد في جزء من العالم المنهك إلى حيوية من الشاعرية الحسية المشحونة . فحتى وان كان غارسيا ماركيز قد استعمل على حافة الكاريكاتور وصف البوينديا على انهم ضيقا الأفق كفحولة محدودة، غير انه منحهم في نفس الوقت قوة إعادة كرامة التعامل من اجل تقرير المصير، وأعار احتجاجهم ضد الفشل تراجيديا كوميدية كبيرة.

يبقى الراوي واقعيا

كان مركيز مشدودا قبل كل شيء وبشكل جلي إلى الحضور القوي لجده نيكولاس ريكاردو ماركيز ميخا، الذي كان يأخذه في صحبته وهو طفل إلى السيرك والكنيسة واهم من ذلك إلى السينما. فقد عين نيكولاس ماركيز قائدا عاما لقوات حرب الألف يوم (1899-1902) كما خلف عددا كبيرا من الأبناء غير الشرعيين، الذين عمل غابرييل غارسيا مركيز فيما بعد على ربط علاقاته بهم باحثا علنا عن نماذج عامة لرواية كبيرة تخدم أسطورة القائد بوينديا. إن تعلق غارسيا ماركيز بهذه الشخصيات الواقعية حقق للرواية نجاحا في جميع أنحاء العالم . حتى وان كان البعض يفضل الصور الفنية الغنية للتيارات اللغوية في ‘خريف البطريرك’ 1975، فإن ‘مائة عام من العزلة’ تشكل قمة قائمة أعماله الرائعة، وقد بدا مؤلفها ولاسيما بالنسبة للنقاد الأوروبيين، كمجدد للأدب: كاتب كولومبي من زاوية مجهولة من منطقة الكاريبي، الذي ينفجر بسرد حيوي، أقنع المتعبين من مديري الحداثة، حيث يعثر عليه في أماثيل بداية الروائع. وقدم نفسه خلال ذلك على أنه ليس من السذاجة الغرائبية، وإنما كواحد، قد قرأ من الجانب الآخر من العالم، تاريخ الأدب مرة أخرى، ليشكل من منظور معاكس سرده الكبير .
لم يكن الإعجاب بغارسيا ماركيز خاليا من الانعكاسات الرومانسية الغرائبية، الأوهام والنكتة الجنونية المطلقة لقوة الخيال، وحين أعلن، بعد جائزة نوبل 1982 في ذروة شهرته، عن رواية عن المناضل الأمريكي الجنوبي من اجل الحرية سيمون بوليفار، اعتبر كأقوى صوت من شبه القارة. لكن غارسيا ماركيز قام بإحياء مقاومة أي إغراء، عبر شخصية تاريخية، التي تمثل رؤية قديمة لتحرر موحد لأمريكا اللاتينية جديد، فحتى بلفار أيضا، ‘الجنرال في متاهته’ 1989 لم يجد أي مخرج. مع كل اللطافة وحتى الإعجاب بالأحلام، التي يقاسمها غابرييل غارسيا ماركيز مع شخصياته، يبقى مع ذلك كراو ودائما واقعيا، الذي تعلم من مهنته كمراسل صحافي والذي كتب ذات مرة، إن الحياة هي ‘ما نتذكر وكيف نتذكر، لنحكي عنه’، قد عرف، أنه مهما كانت الرؤية جميلة يمكنها أن تتنافس مع سحر الذاكرة: ‘في يوم من أيام أكتوبر الممطرة قصد اورليانو بوينيديا الكستناء وتذكر السيرك. وبينما هو يتبول حاول أن يجهد ذهنه بالتذكر لكنه لم يعد يجد أي أثر لهذه الذكرى عالقا بذاكرته. مثل فرخ خبأ رأسه بين كتفيه، الصق جبهته بجذع الشجرة وبقي واقفا دون حراك’.
بعد أن كتب غارسيا ماركيز هذه السطور على الورق، صعد إلى غرفة نومه حيث كانت زوجته مرسيدس تقيل فأخبرها بموت القائد بعدها استلقى بجانبها وبكى ساعتين من الزمن.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

افتتـاحيـة

افتتـاحيـة
الوقـائـع بـريـس

أيقونة التشكيل المغربي الشعيبية طلال

أيقونة التشكيل المغربي الشعيبية طلال
ARTS PLASTIQUES

جديد السوبرانو حصريا لمع فنان

جديد السوبرانو حصريا لمع فنان
Music

القبح في أكبر تجلياته

القبح في أكبر تجلياته
مقـــالات الــوقائـــع

العش السعيد مع أماني عبد العال

العش السعيد مع أماني عبد العال
EMISSION

محمد فاسي يقارب أعمال لبابة لعلج

محمد فاسي يقارب أعمال لبابة لعلج
ARTS PLASTIQUES

أحمد الشرقاوي ... المضيء المعتم

أحمد الشرقاوي ...  المضيء المعتم
زوووم

الفقيـه محمـد البصـري

الفقيـه محمـد البصـري
مــدارات

العيطة بين التوهج والتمييع

العيطة بين التوهج والتمييع
Music

عصفورة الرقراق بهيجة إدريس

عصفورة الرقراق بهيجة إدريس
Music

صافي السلامي خاصو يستاقل ... ؟

صافي السلامي خاصو يستاقل ... ؟
Foot

الرياضة في هذا التلفزيون المغربي

الرياضة في هذا التلفزيون المغربي
Foot

عفيف بناني ... الفنان والكاتب

عفيف بناني ... الفنان والكاتب
ARTS PLASTIQUES

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟
ملف الوقائـع الأسبوعي

تابعوا الوقائع على فايسبوك

المتابعة بالبريد الإلكتروني

الوقائع بريس

مـن هنـا يبـدأ الخبـر الفنـي مـن الوقائـع بريـس ..

لمـاذا الوقـائـع بـريـس؟

مـن نحـن؟