الرئيسية » » العالمية والقيمة المُصنَّعة، وسلطان الأخ الأكبر

العالمية والقيمة المُصنَّعة، وسلطان الأخ الأكبر

كتبـه annachraalikhbaria الاثنين، 29 مايو 2017 | 6:29:00 ص


الوقائـع بريـس
مقـالات الـرأي..
العالمية والقيمة المُصنَّعة، وسلطان الأخ الأكبر

واسينـي الأعـرج

كلما تقدمنا قليلاً في العالم العربي، وظننا أنفسنا في عمق العمق، يأتي من يذكرنا بأننا مازلنا تحت رحمته وأننا لا سلطان إلا برضاه، واكتشفنا أكثر سلطان الرجل القوي، الآخر الأخ الأكبر، الذي لم يعد خفياً، في كل ما نقوم به. فهو من يحدد القيمة ليس على أرضه فقط، ولكن على أراضينا العربية أيضاً، ويعلمنا كيف نتذوق الأشياء، فيصبح فجأة معلماً لنا، وهو من يحدد مصائرنا القلقة في الأصل، منذ فترات الاستعمارات المتعاقبة التي شنها ضدنا ودمر نسيجنا الذي أصبح هشاً لدرجة يمكن تدميره في أية لحظة، ويعيد اليوم رسم الخرائط وفق ما يضمن مصالحه الإستراتيجية. وصنع لنا كل المفاهيم ومنها مفهوم العالمية التي تعني بالضرورة الاستجابة للاشتراطات التي سنها لنا بشكل مسبق.
إن الأديب العربي، تحديداً الروائي، كغيره من كتاب العالم، منشغل بالعالمية التي تدفع بجهده الإبداعي من دائرة الضيق والمحلية إلى دائرة أكثر تعقيدًا وانفتاحًا وإنسانية. قد يبدو هذا الكلام بسيطاً وربما مسطحاً في شكله، ومع ذلك الأمر ليس سهلاً لأنه مشروط بمجموعة من المحددات والمسبقات التي يجب توافرها. سؤال العالمية الذي تطرحه الرواية العربية على نفسها بشكل متواتر، أمر مشروع لأنه محاولة أولية لتحديد وضعها في سياق الرواية العالمية، وأي مسلك عليها أن تسلكه لتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية الإنسانية؟ أي جهد عليها أن تقدمه لكي تصل إلى الاعتراف العالمي بها كمنجز إنساني، وليس كجهد فردي أو جماعي مرتبط بمحلية تضيق الخناق أكثر مما تدفع بالرواية نحو وضع اعتباري يليق بها. أي نحو عالمية تضع الكاتب وربما بلده في مدارات الاعتراف.
المسألة عموماً، حتى هذه اللحظة مشروعة، بل وطبيعية ولا تتفرد بها الرواية العربية وحدها، بل كل الروايات في البلدان المأزومة، التي تنتظر اعترافاً خارجياً لكي تشعر بأن جهدها خرج من دائرة الضيق وأصبح مشعاً، الذكاء ليس قسراً على أمة أو منطقة دون غيرها. لكن السؤال سرعان ما ينزلق عن حدوده الموصوفة عندما يفترض العالمية كحل لكل المعضلات الأدبية، وكمآلٍ ضروري وإجباري لكل نص يتوخى الانتشار والوصول إلى الأقاصي من خلال الاعتراف المعمم والترجمات المتعددة، وكأن العالمية، كما يفترضها النقد العربي عموماً، والكاتب نفسه، خاضعة فقط لغنى النص وحده ولقيمته الرمزية والأدبية ولترجمته في النهاية نحو لغات كثيرة. أي أن النص الروائي هو المحدد الأساسي للقيمة الإبداعية وبالتالي للاعتراف.
تأمل بسيط يعيدنا إلى الاعتبارات الخفية التي تتحكم في القيمة المفترضة، تتجاوز القوة النصية المحتملة. يمكن اختزال هذه الاعتبارات في أهم تجلياتها الظاهرة على الأقل:
أولاً: تمركز الاعتراف وشرعيته في يد قوة واحدة نسميها اليوم أمريكا، أوروبا أو العالم الغربي بشكل عام. يقع النص الروائي العربي بين تقاطبين، قوة تمتلك كل شيء بما في ذلك سلطة القرار السياسي والإعلامي، وتابعهما القرار الثقافي، ووجهة نظر مناقضة لذلك، التي هي نحن أي الشرق، الذي خُطِّط له في زمننا الحديث، منذ اتفاقية سايكس بيكو، أن يظل في دائرة التخلف والتقسيم المتواتر. شرق لا يملك شيئاً يذكر بالمعنى الحاسم، الكاتب فيه منشغل بحروبه الأهلية التي زادت اشتعالاً، وحروب الإخوة والجيران، وقهر ديكتاتوريات وأنظمة رعوية بدائية متهالكة لا شيء فيها يطمئن، تعيد إنتاج صورها القديمة بقليل من الذكاء، وكثير من الفتك حتى أصبح حلم التغيير ليس فقط أمرًا مستحيلاً في ظل ما يحدث في المحيط من حروب أهلية فرضت كبدائل وحيدة، ولكن التفكير فيه يبدو بعيداً عن العصر ومتخلفًا لما هو متسيد.
ثانياً: الامبريالية الإعلامية أصبحت سلطة متعالية على كل شيء وفوق أية سلطة نقدية، وعابرة للقارات عن طريق الصورة التي أصبحت في يدها بامتياز. فهي المحدد الأساسي ليس فقط لمساحات النقاش، ولكنها أصبحت أيضاً محددة للقيمة بما في ذلك الأدب، وهذا أخطر شيء. القيمة هي ذات دلالات رمزية أكيدة، وعندما يسجن الرمز داخل إرادات أخرى، فكل ما يحيط بنا من رموز قيمية بما في ذلك الأديان والتاريخ والأساطير والحاضر أيضاً، يجد نفسه في عمق الدائرة نفسها.
عندما يتم التغلغل في عمق الرمز أي في داخل المنتَج الحميمي، فهذا يعني أن قنبلة داخلية يتم التحضير لها ولا أحد يعلم توقيت انفجارها إلا الذي خطط لها، مثلما حدث ويحدث في العراق وسوريا واليمن وليبيا. فعندما يتم احتلال الرمز ويتم تأويله بحسب الرغبة والحاجة، لن يحتاج الاستعمار الحديث لأي تدخل لأننا سنأكل أنفسها بوسائلنا الأكثر فتكاً وندمر الرموز التي تجمعنا ونتفكك لنصبح قبائل وشيعاً متقاتلة متذابحة. ونسير اليوم نحو هذه الحتمية، ولن يطول الأمر كثيراً، إذ بمجرد جفاف آبار النفط نعود نحو العصر الحجري الأول. ليس العرب أكثر من خزان نفطي تحيط به أمريكا والدول الاستعمارية، وإسرائيل التي تتوجه اليوم أطماعها النفطية والغازية، نحو الصحراء العربية، ليس حمايةً للعرب إذ لن يحميهم من الهلاك أحد، ولكن خوفاً من أن تهرب منها هذه المادة الحيوية التي تحتاجها لتستمر.
ثالثاً: عندما نقرأ الأعمال الروائية العالمية التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة على الثقافة العربية وكان النقد العربي وسيطاً للتهليل لها، وعلى أكثرنا حذراً وصرامةً، ندرك إلى أي حد صارت المخاطر الثقافية في عمق الرمز نفسه أي في صلب النظام الذي يحدد القيمة كانتماء للعالم ليس بالمعنى الإيجابي و لكن بمعنى فرض النموذج الذي كثيرا ما يرتبك أمام الخصوصية الثقافية. لا يتعلق الأمر ههنا بالأعمال الإنسانية الكبيرة والمتميزة ولا بالكتاب الكبار الذين اختاروا صف نقد الطاحونة الكبيرة التي يسهر على مراقبتها باستمرار الأخ الأكبر The big brother (كما في رواية 1984 لجورج أورويل) الذي يتتبع كل الأنفاس والحركات ويخفي ما يشاء ويدفع إلى الواجهة بما يشاء كذلك، ولكن بالأعمال الروائية خصوصاً التي تفبركها وسائل الإعلام وتعلبها وتقدمها كبدائل فعلية للأدب الكبير والإنساني.
قد يكون للتجارة سلطانها في مثل هذه العمليات، ولكن من قال إن التجاري مفصول عن السياسي بشكل دائم عن آلة الدعاية الجهنمية؟
كل ما ننتجه اليوم من آداب وفنون يتم وفق رضى الأخ الأكبر. لهذا يموت الأدب الكبير أو المقاوم مبكراً، لأن القارئ المصنع والنقد الدعائي أيضاً، يتحركان وفق هذا المنطق المسبق للأشياء. الإشهار الكثيف لا يترك مساحةً للعقل، يلغيه لدرجة أننا، بوعينا، نجد أنفسنا منساقين نحو منطق «البيست سيلر»، أي السهولة والرواج. وإلا لماذا تبقى النصوص الجيدة مكدسة ويذهب القراء نحو الكتب التي صنعتها الدعاية؟


0 التعليقات:

إرسال تعليق

افتتـاحيـة

افتتـاحيـة
الوقـائـع بـريـس

الأدب في زمن جائحة كورونا

الأدب في زمن  جائحة كورونا
Culture

جديد السوبرانو حصريا لمع فنان

القبح في أكبر تجلياته

القبح في أكبر تجلياته
مقـــالات الــوقائـــع

الشــعيــبيــة طــلال المــلــكــة

كثير: لبابة ظلت ملتصقة بقضايا المرأة

كثير: لبابة ظلت ملتصقة بقضايا المرأة
MAROC ARTS PLASTIQUES

أحمد الشرقاوي ... المضيء المعتم

أحمد الشرقاوي ...  المضيء المعتم
زوووم

MICRO CHAAB

MICRO CHAAB
ميكــرو الشعــب

الفقيـه محمـد البصـري

الفقيـه محمـد البصـري
مــدارات

عصفورة الرقراق بهيجة إدريس

بعمرانت وأول فيديو كليب لها

بعمرانت وأول فيديو كليب لها
Music

maafennan

الزنيتي رجل مباراة الرجاء ومازيمبي

الزنيتي  رجل مباراة الرجاء ومازيمبي
Foot

PASSION FOOT

الرجاء العالمي في المربع الذهبي

الرجاء العالمي في المربع الذهبي
Foot

تجربة إبداعية موسومة ب"العبور"

تجربة إبداعية موسومة ب"العبور"
MAROC ARTS PLASTIQUES

الفنانة زهيرة والمجال المغربي الأمازيغي

الفنانة زهيرة والمجال المغربي الأمازيغي
MAROC ARTS PLASTIQUES

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟
ملف الوقائـع الأسبوعي

تابعوا الوقائع على فايسبوك

المتابعة بالبريد الإلكتروني

الوقائع بريس

مـن هنـا يبـدأ الخبـر الفنـي مـن الوقائـع بريـس ..

لمـاذا الوقـائـع بـريـس؟

مـن نحـن؟