الرئيسية » » التميز الجامعي

التميز الجامعي

كتبـه Unknown الاثنين، 29 مايو 2017 | 7:07:00 ص


الوقائـع بريـس
مقـالات الـرأي..
التميز الجامعي

سعيـد يقطيـن

بماذا تتميز جامعة عن أخرى في الوطن العربي؟ سؤال لم نطرحه لأن فكرتنا عن الجامعة ما تزال مقيدة بشروط تأسيسها. وكلما تم إنشاء جامعة جديدة يكون النموذج جامعة قديمة سابقة لها في الظهور، فتستنسخ المواد والمقررات والبرامج. وهكذا نجد جامعاتنا، مهما تعددت داخل القطر العربي الواحد، ليست سوى نسخة «جديدة» عن صورة قديمة. فلا نجد تميزا بين الجامعات، وما تحويه من كليات مختلفة. إن ما دفعنا إلى طرح هذا السؤال يجد مرتكزه في غياب التفكير في وضعية الجامعة والبحث الأكاديمي. فنحن لا نؤسس جامعات جديدة إلا لأننا نرى أن الجامعات القائمة لم تعد تستجيب للطلب، أو أن هناك مناطق جغرافية نائية، بات يفرض اتساعها ضرورة توفرها على جامعة تستوعب الإمكانات التي باتت تعرفها، بسبب التزايد العمراني، أو فقط من باب رد الاعتبار إليها، والتقليص من تهميشها. كما أننا نفكر في إنشاء جامعات جديدة متى صارت إحدى الجامعات مركزا أو بؤرة لتجمعات مزعجة، فيكون الإنشاء لتفرقة ما تجمع، باعتماد المقاربة الأمنية.
حين لا تتوفر شروط تأسيس جامعة، في مدينة صغيرة مهمشة، بالمواصفات المطلوبة لإكراهات متعددة، تتعلق بالتأطير والإمكانات اللازمة للحصول على حد مقبول، يتم التفكير في إنشاء جامعات بمواصفات خاصة. وعلى سبيل التمثيل ظهرت، في المغرب، صيغة «الجامعة المتعددة التخصصات» في عدة مدن. تظل مثل هذه الجامعات تابعة في تسييرها لجامعة كبيرة في مدينة كبرى، وكأن الجامعة الأم أحادية التخصص؟
لا يمكننا، ونحن بصدد الحديث عن التخصصات إلا إعادة طرح السؤال السابق عن علاقة الجامعة بالتخصص مشفوعا بالتميز؟ فما هي أوجه الاختلاف والائتلاف بين كليتين للآداب، مثلا، داخل جامعة واحدة؟ وما الذي يميز هذه الكلية عن الأخرى؟ وما الذي يميز قسما للغة العربية وآدابها، داخل إحدى الكليتين عن نظيره في الكلية الأخرى؟ هل الفرق كامن فقط في الاسم الذي تحمله كل كلية؟ أم في الأطر التي توجد في إحداهما وتنعدم في الأخرى؟ أما في ما يتعلق البرامج والمواد والمقررات فنحن أمام تأكيد الائتلاف التام. وما قلناه عن كليات الآداب ينسحب على غيرها من الكليات، انسحاب ذلك على الكليات الخاصة، أيضا، مع فارق أن هذه الكليات الخاصة لها قدرة على ترويج أسماء مواد بمسميات «عصرية»، أو تدعي تميزها بإعطاء قيمة كبرى للغات الأجنبية.
لا شك في أن وحدة التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، ومقرراته وبرامجه تفرضها ضرورة تكوين أجيال موحدة التكوين، وذات أرضية مشتركة تتعلق بامتلاك المهارات الأساسية حول توظيف اللغة كتابيا وشفاهيا، واستيعاب المعلومات والمعارف المتصلة بالثقافة الوطنية والقومية ومعارف العصر المختلفة من علوم وآداب. لذلك لا يمكننا طرح سؤال التميز بخصوص هذا التعليم. لكن التميز يصبح فارضا نفسه على المستوى الجامعي، لأن من شروط هذا التكوين «البحث» الذي لا يمكن أن نتحدث عنه إلا في علاقته بالاختلاف والتميز. ولكي يتحقق ذلك لا بد أن تكون لكل جامعة أو كلية أو معهد خصوصية على مستوى التخصصات والمواد والمقررات. لا يتعلق الأمر هنا بالتخصصات بالمعنى العام للكلمة، الذي نميز من خلاله بين «كلية المهندسين» مثلا، و»كلية الحقوق»، ولكني أقصد داخل كل كلية في تخصصات ما نجد تخصصات خاصة تتميز بها كلية عن أخرى. ويكون تعليمنا في الثانوي مؤهلا لتوجه الطلاب نحو التخصصات الخاصة، التي يودون الاشتغال في نطاقها. أما في انعدام هذه الرؤية تظل جامعاتنا في تعددها عبارة عن جامعة واحدة.
تتميز الجامعات الدولية التي تسهم في تطوير المعرفة، وليس في تداول المعلومات، بكونها «مدارس متميزة» لها خصوصيتها في الاختصاص الخاص الذي يطوره الباحثون، الذين تجمعهم هواجس مشتركة. ولذلك نجد كبريات الاتجاهات الفكرية والتيارات التي تغني المعرفة الإنسانية، وليدة جامعات تعمل من أجل الخروج عن النمطية الجامعية المعروفة. هل لنا أن نذكر «مدرسة باريس»، أو «كوبنهاغن»، أو «تارتو» في السيميائيات واللسانيات؟ إن مختلف هذه المدارس وليدة جامعة معينة، وقد يسهم فيها باحثون من جامعات أخرى. وبذلك يمكننا القول إن التميز الذي تعرفه جامعة ما لكي تتحول إلى «منارة» ذات إشعاع عالمي، هو وليد الخروج عن «الجامعة» بمعناها التقليدي. ولا يمكن لجامعة ما أن ترقى إلى هذا المستوى إلا بانطلاقها من تأسيس تقاليد جديدة في البحث والاشتغال، وباحتوائها على رجالات همهم الأساس هو تطوير المعرفة والبحث.
قد يتساءل البعض: كيف يمكننا الحديث عن التخصص داخل أقسام الأدب، مثلا، في زمان «تعدد الاختصاصات»؟ وجوابي البسيط عن هذا السؤال الجدير بالطرح هو أن التعدد يجب أن يكون بعد أن تتحقق الوحدة في التخصص، وإلا فنحن أمام فوضى تخصصية، وليس تداخل أو تعدد الاختصاصات. بخصوص النحو العربي القديم تميزت مدرسة البصرة عن الكوفة عن قرطبة، وكان لكل منها إسهامها في تطوير هذا العلم. هل يمكننا الآن الحديث عن «مدارس» تتصل بالبحث في أي موضوع في الجامعات العربية؟ هذا هو المقصود بالسؤال المتعلق بالتميز.


كاتب مغربي

0 التعليقات:

إرسال تعليق

افتتـاحيـة

افتتـاحيـة
المطروح اليوم على الكيانات والنقابات الفنية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها، هو تفعيل بطاقة الفنان والحسم في إخراج قانون الفنان إلى حيز الوجود والدفاع عن الحقوق المشروعة المهنية والاجتماعية للفنان، والدفاع أولا وأخيرا عن كرامة الفنانين، هذا من صميم عمل النقابات الفنية وإلا لما تتواجد أصلا !؟..

بلقيس تطرب مع جيل الأصالة

بلقيس تطرب مع جيل الأصالة
Music

برنامج العـش السعيـد: الحلقة 2

أحب هذه الحكومة كما أحب جلادي

أحب هذه الحكومة كما أحب جلادي
مقـــالات الــوقائـــع

مـع كاتـب مـع مبـدع

أحمد الشرقاوي بين الحداثة والتجذر

أحمد الشرقاوي بين الحداثة والتجذر
زوووم

مهرجان إنزكان للتسوق بجهة سوس

مهرجان إنزكان للتسوق بجهة سوس
Rigions

الفقيـه محمـد البصـري

الفقيـه محمـد البصـري
مــدارات

الرجالات بمواقفها: محمد نوبير الأموي

ما دار بين أسماء المنور وسميرة سعيد

ما دار بين أسماء المنور وسميرة سعيد
Music

maafennan

الرجاء غير مسموح له بتضييع النقط

الرجاء غير مسموح له بتضييع النقط
Foot

الزمالك يسقط الحسنية في فخ التعادل

الزمالك يسقط الحسنية في فخ التعادل
Foot

PASSION FOOT

الأعرج يطمح لمهننة التشكيل وهيكلته

الأعرج يطمح لمهننة التشكيل وهيكلته
Arts Plastiues

نعيمة أقصبي: صوت من الزمن الجميل

نعيمة أقصبي: صوت من الزمن الجميل
Music

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟
ملف الوقائـع الأسبوعي

تابعوا الوقائع على فايسبوك

المتابعة بالبريد الإلكتروني

الوقائع بريس

مـن هنـا يبـدأ الخبـر مـن الوقائـع بريـس ..

لمـاذا الوقـائـع بـريـس؟

مـن نحـن؟