الرئيسية » » من الآباء الرمزيين لجيل شباب النحاتين: موسى الزكاني أو البحث عن البعد الخفي

من الآباء الرمزيين لجيل شباب النحاتين: موسى الزكاني أو البحث عن البعد الخفي

كتبـه said fardy الخميس، 10 مايو 2018 | 4:13:00 ص

  
تشكيــل..
الوقائـع الفنيـة
من الآباء الرمزيين لجيل شباب النحاتين: موسى الزكاني أو البحث عن البعد الخفي

الوقائـع بريـس
عبد الله الشيخ


يعد النحات الطلائعي موسى الزكاني (مواليد 1947 بالدار البيضاء) من رواد النحت المغربي المعاصر بالمغرب، حيث يرجع له الفضل في تكوين عدة فنانين شباب الذين امتلكوا ناصية النحت في حضرته الإبداعية داخل المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء.
لقد انعطفت حياته الإبداعية من مرحلة التكوين (مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء عام 1968، و المدرسة الوطنية العليا لفنون الديكور بباريس عام 1972) إلى مرحلة التأسيس للغة إبداعية تزاوج بين عالمي الخزف و النحت على المواد الصلبة، منتصرا لثقافة الامتلاء الروحي التي يشكل الكائن الإنساني بؤرتها المركزية. فالأجساد في تجربته النحتية لا تنهض كعلامات أيقونية ذات معاني مباشرة، بل كنظام من العلامات الإيحائية ذات معاني رمزية ، بشكل يذكرنا بأعمال الفنان العالمي جياكوميتي، وبمنحوتات النحات الكويتي سامي محمد.



هكذا ، ينخرط موسى الزكاني في صمت و بدون ادعاء زائف في حركة حداثة النحت على قلته بالمغرب نظرا لعدة عوامل ذاتية و موضوعية في آن معا (بالإضافة إلى المعادلة الصعبة للإباحة  والتحريم التي ما زالت تتحكم في نظام القيم العربية الإسلامية السائدة). لقد رفض المعارض الفردية والجماعية كموقف نقدي ساخر من تفاهة لعبة العرض والطلب التي ما زالت تتحكم في عقليات الأروقة التجارية، وفي آليات التسويق المؤسساتي للأبناك والمؤسسات المالية. ظل هذا الفنان في منحوتاته النوعية مخلصا لرؤيته المتصالحة مع واقع الأشياء و الكائنات الطبيعية، حيث باشر النحت مبكرا إلى جانب السيراميك، مستبعدا كل الأعمال البصرية التي تعلي من شأن العبث والعدم، واللاشيئية، والفراغ.
تشرب موسى الزكاني بروافد النحت العالمي المعاصر، وتربى في أحضان وسط عائلي بالدار البيضاء لا يعرف سوى لغة المكابرة، والتمرد العلني على كل ما هو زائف و شكلي. في هذا السياق، أتت أعماله النحتية حبلى بروح التعامل الاحترافي مع المادة، وتطويعها لتقديم صوره الذهنية التي تختزل انشغالاته الجمالية، وهمومه الإنسانية المثقلة بالأسئلة المتناسلة. إنه يرصد زمنا مفتوحا على كل الأزمنة وكأنه يحكي عزلته الاختيارية داخل جغرافية التشكيل المغربي المعاصر. منحوتاته التعبيرية ذات الإيحاءات التجريدية بمثابة سجلات يومية لبطل إشكالي يفكك جدلية الموت والحياة، ويذهب بعيدا جهة الغياب لا جهة الحضور كما هو حال أعمال جون بودريار الفوتوغرافية.
عندما نجالس موسى الزكاني ندرك جيدا بأننا أمام شيخ حكيم يعيدنا لجذور الواقع، ولسحر الذكريات السردية القديمة التي تسكن وجدانه و خياله معا. هذا ما ينحته بالضبط بصبر و أناة على غرار حرفي كادح تؤرخ يده المتصلبة لما لا حصر له من تحولات الخامات المستعملة وتشكيلاتها  المتباينة.
ما أجمل النحت! وما أقسى الواقع! شعاران رمزيان ومعادلان موضوعيان لتجربة موسى الزكاني الذي ما زال يؤطر حلقات التكوين الفني في مادتي النحت و السيراميك بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء في ضوء ميثاق تربوي تفاعلي مع الطلبة و كأنهم أبناؤه الرمزيون، مخلصا لقولة الفنان الألماني جيرهارد ريختر:"الأب يرسم حدودا، و يدعو إلى التوقف عند الضرورة".
في حضرة موسى الزكاني لا نحس بأننا جيل بلا آباء. فقد رفض خوض غمار الحياة الزوجية، وعانق بوعي و تبصر منعطفات الحياة الإبداعية بكل إكراهاتها الواقعية. ارتضى النحت تعبيرا عن كينونته الداخلية، وبيانا بصريا لترجمة روحه المتمردة المحبة لقيم الحياة، والملتزمة بقضايا الإنسان. لقد حرصت مغامرته النحتية على فضح هشاشة الكائن وموته الرمزي في زمن المزايدات الفارغة: مغامرة بصرية تذكرنا بتجذر القيم الإنسانية عبر فيض من المعاني و الدلالات التي تحيل على عوالم المجاز والحقيقة معا.
تداعيات موسى الزكاني كتداعيات منحوتاته. فهو لا يصاحب الجميع، ولا يعرف قاموس النفاق الاجتماعي، ولا يمارس خطابات المواربة والمجاملة. نحن بصدد بوح صادم لوعينا المهادن و السعيد. بوح بسيط من شدة عمقه، وعميق من شدة بساطته. يا لها من لغة بصرية تخاطب كل الناس باختلاف مستويات تفكيرهم ودرجات إدراكهم!
إن أجساده النحتية بتعبيراتها الصارمة عبارة عن تشكيلات مكانية و زمانية. فهي ذاكرة محملة بالرموز والرسائل المشفرة تحرر الأجساد من سياقاتها التداولية، وانحرافاتها التبضيعية. كم تتماهى هذه الذاكرة الموشومة مع فلسفة حياة موسى الزكاني الذي اختار الانزواء والانطواء مسلكا وجوديا. كما اختار مقاومة العبث وحده على نحو يذكرنا بمقاومة الكتلة أمام الاغتراب الذاتي في رحاب مصالحة كبرى مع الذات باعتبارها رهانه الكبير على الحرية، والاستقلالية، والكرامة.
خارج كل معالجة درامية تقدم الجسد في صورة مأساوية كما هو حال التناول التشكيلي والدلالي للجسد عند النحات العصامي سامي محمد، نجد الفنان موسى الزكاني في خاماته المعدنية والخزفية معا يصالحنا مع مفردات العالم بأشيائه و كائناته، ويوقظ فينا كل الذكريات المرئية و اللامرئية، وكل الأصوت الباطنية التي حاولت تيارات العولمة المادية إجهاضها ومصادرة حقها في الوجود.
لا يشتغل موسى الزكاني على الأشكال التعبيرية والانطباعية للأجساد التي دشن مساراتها المتشابكة النحات العالمي الرائد رودان، بل تراه مصرا على تأثيث المجازات الدلالية لبنيات جسدية هشة تنزاح عن كتلتها الصلبة، لتلج عالما برزخيا دون استئذان: عالم المادة واللامادة، عالم المرئي واللامرئي.
إن الأشكال التجريدية و الهيئات النحتية التي برع في هندستها التخطيطية موسى الزكاني تحاور ملكتي الإنصات والبصر معا. فهي تخلق عبر كياناتها البصرية استعارات حية تجمع بين العوالم الروحية و العوالم المادية.
تحيل التقنيات النحتية المستعملة من لدن موسى الزكاني على الصيغ الدينامية للنحت العضوي الذي يتسم بالتشكيلات الإيقاعية ذات الامتدادات اللانهائية، والتحليقات المتسامية.الواقع أن هذا الفنان المثالي و الاستثنائي في المغرب يعيش عزلة مزدوجة: عزلة الحياة الوجودية، وعزلة فن النحت، لكن أمام هذا الواقع المركب، تمكن من تكوين عدد نموذجي من شباب النحاتين الذين يناضلون بأعمالهم التعبيرية لخلخلة الثابت و ترسيخ إرهاصات المتحول. تراه يفتح، بإصرار وعناء، شرفة في جدار عزلتنا البصرية القاسية لعلنا نعرف قيمة النور (لا أدري لماذا أستحضر كتاب "ديوان النور" لجمال الغيطاني).
موسى الزكاني من طينة الفنانين المستقبليين الذين يحملون مشروعا إبداعيا حقيقيا بدون بوهيمية أو هرولة مؤسساتية. فهو يرفض كل تكالب على المعارض والمتاحف والمزادات العلنية، وكأنه يردد مع أبي العلاء المعري (لزوم ما لا يلزم):

أصاح هي الدنيا تشابه ميتة ** و نحن حواليها الكلاب النوابح

لقد علمه الطين أشياء لم تعلمه إياها المدارس و الأكاديميات. شاعر المادة النحتية في المغرب بلا منازع، ومبدع بيداغوجي وهب حياته لقضية التعليم الفني في أوج مثاليته. مارس النحت خارج دائرة التجهيزات المفاهيمية والمنجزات التركيبية، ملتزما بالمفهوم الحديث للنحت: تطويع المواد وتشكيلها للتعبير عن رؤية للعالم.
في متاهات القول النحتي، يسمعنا موسى الزكاني صوت امتداده الداخلي قصد إثارة خيال المتلقي ليعيد اكتشاف و تمثل فضائه الخاص و العام معا. فنان يؤكد لنا من جديد بأن نقادنا المعاصرين على قلتهم لا يعيرون اهتماما للذين يشتغلون في الظل، منساقين مع ما تروجه مصانع الأروقة والصالونات التجارية. فللتاريخ! لا يمكن أن نستحضر تاريخ النحت المعاصر بالمغرب دون الوقوف عند تجربة هذا الفنان الذي يمتلك الشجاعة الأدبية في رمي الحصى في المستنقع، دليله الروحي في ذلك حبه الكبير للمراكب الثملة، والتزامه القوي بالحق في الحدود من أجل التصدي للانزلاقات المميتة بتعبير ريجيس دوبريه.

(ناقد فني) 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

افتتـاحيـة

افتتـاحيـة
المطروح اليوم على الكيانات والنقابات الفنية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها، هو تفعيل بطاقة الفنان والحسم في إخراج قانون الفنان إلى حيز الوجود والدفاع عن الحقوق المشروعة المهنية والاجتماعية للفنان، والدفاع أولا وأخيرا عن كرامة الفنانين، هذا من صميم عمل النقابات الفنية وإلا لما تتواجد أصلا !؟..

حلقـة: العكـوزة والعـدوزة


Politique

هل لنا نخبة...أم استنساخ مشوه لنخبة كانت!؟


Parlement

maafennan

maafennan
رصد لأخبار وجديد الفنانين والمبدعين وتسليط الضوء على مساراتهم الفنية على قناة مـع فنـان

زوووم

زوووم
أحمد الشرقاوي... بين الحداثة والتجذر

إنت يا غالي ... جديد فاتن هلال بك

إنت يا غالي ... جديد فاتن هلال بك
Stars

مــدارات

مــدارات
الفقيـه محمـد البصـري

Stars

Stars

Audits

ميكـرو الشعـب حلقـة: جار قبل دار


Cinéma

تابعوا الوقائع على فايسبوك

المتابعة بالبريد الإلكتروني

الوقائع بريس

مـن هنـا يبـدأ الخبـر مـن الوقائـع بريـس ..