الرئيسية » » أطفال عائمون في قعر العطش

أطفال عائمون في قعر العطش

كتبـه said fardy الخميس، 6 سبتمبر 2018 | 5:33:00 ص

 

الكاتب عبده حقي
إبداعـات أدبيـة..
الوقائـع الثقافيـة  
      
أطفال عائمون في قعر العطش
الوقائـع بريـس 
عبـده حقـي

هم يسكنون فيه وهو يسكن في ماضي أجسادهم منذ أمد بعيد .. ويخال هذا الكاتب المفترض صديق خورخي بورخيس الضرير وبيتهوفن الأصم أحيانا أنهم ولدوا ومازالوا يتوالدون في بيوتاته السفلى المعجونة حيطانها بتراب الجذور.
أولئك الذين قادهم ظمأ الليالي وساقتهم أقدامهم البدوية المشققة التي تمشي منذ ليل التاريخ على مسالك السليقة إلى الأنفاق الحالكة ومتاهاتها ثم صاروا يتطلعون إلى وجوههم المغسولة ببخار المدخنات المحدودبة .. الساهمة في حداد سوادها المزمن فوق السطوح الواطئة .. تتأمل قروحها في مرايا دلاء الماء الضحل .. يتطلعون إلى الزرقة من رئة النافذة المثخنة بالهواء المشوب بالأوكسجين العليل  .. يشيرون إلى الأفق بأصابع منحوتة مثل ثمرات البلوط أو الخروب .. يتساءلون عما إذا كنا بعد نفيهم إلى حضيض سياط الأسئلة الصاخبة سنتسامر في ليالي هذا الصيف لنحصي أسماءهم على عتبات المدينة الضيقة وعلى سطوح بيوتاتها .. نكفكف في صمت دموعنا بمناديل قديمة مطرزة بشقائق النعمان وأزهار الجلنار...
من قعر هذا العطش القديم باتوا يطلون علينا في كل فجر جديد .. يرددون مواويلهم على دفوف الصحون وأوتار الأمعاء الفارغة .. يلوحون بقمصانهم من بعيد مثل غرقى في يم المتوسط .. مقرفصين على حافة مركبهم المثقوب يتوسلون إلينا من على الموجة العاتية علنا نذخر كثيرا من زاد الصبر بحثا عن خرائط العشق البدائي الممهور بلون التراب ورائح أنفاس الوديان.
هم ما عادوا يذكرون أسماءهم .. فقد نسوها وتركوها منقوشة على جدران السراديب الأخيرة حين كانوا يحلمون أبعد من رياح الشرقي اللافحة .. متلفعين في بزات نسجتها الجدات أوالخليلات من قطن الغيمات الحبلى .. منتشين بنجوم صقيلة مسكوكة من بروق المناجل المعقوفة مثل أهلة الأعياد..
أجل ما عادوا يذكرون أسماءهم لأن الليل البهيم الذي كان يرين على رأس قريتهم العطشى قد أنساهم يوميات ترحالهم الأليم وترحيلهم القسري وصهيل خيولهم الغائرة حوافرها في شراك الوحل العميق ونقش على صدورهم أوشاما خضراء يانعة .. باتت هي هويتهم الأبدية ..
وهذا الكاتب المفترض صديق خورخي بورخيس الضرير وبيتهوفن الأصم أيضا لم يدر كيف نسي إسمه عندهم وخبأ زفيرا قديما في فرن صدره .. حين حلم ذات ليلة أنه يوزع على الأطفال العابرين البؤساء في الجسرالمديد رغيفا صباحيا ساخنا بالمجان ويتلو عليهم قصائد وقصص من دواوين ربما كتبها شعراء مغمورون في الظل قضوا في سرداب الفحم وسقطوا جثثا هامدة في قعر هذا العطش الذي لم ولن ينسوه بتاتا مهما سارت أحذيتهم الكادحة على بطونها الجوعى في الشارع الطويل.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

افتتـاحيـة

افتتـاحيـة
المطروح اليوم على الكيانات والنقابات الفنية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها، هو تفعيل بطاقة الفنان والحسم في إخراج قانون الفنان إلى حيز الوجود والدفاع عن الحقوق المشروعة المهنية والاجتماعية للفنان، والدفاع أولا وأخيرا عن كرامة الفنانين، هذا من صميم عمل النقابات الفنية وإلا لما تتواجد أصلا !؟..

بلقيس تطرب مع جيل الأصالة

بلقيس تطرب مع جيل الأصالة
Music

برنامج العـش السعيـد: الحلقة 2

أحب هذه الحكومة كما أحب جلادي

أحب هذه الحكومة كما أحب جلادي
مقـــالات الــوقائـــع

مـع كاتـب مـع مبـدع

أحمد الشرقاوي بين الحداثة والتجذر

أحمد الشرقاوي بين الحداثة والتجذر
زوووم

مهرجان إنزكان للتسوق بجهة سوس

مهرجان إنزكان للتسوق بجهة سوس
Rigions

الفقيـه محمـد البصـري

الفقيـه محمـد البصـري
مــدارات

الرجالات بمواقفها: محمد نوبير الأموي

ما دار بين أسماء المنور وسميرة سعيد

ما دار بين أسماء المنور وسميرة سعيد
Music

maafennan

الرجاء غير مسموح له بتضييع النقط

الرجاء غير مسموح له بتضييع النقط
Foot

الزمالك يسقط الحسنية في فخ التعادل

الزمالك يسقط الحسنية في فخ التعادل
Foot

PASSION FOOT

الأعرج يطمح لمهننة التشكيل وهيكلته

الأعرج يطمح لمهننة التشكيل وهيكلته
Arts Plastiues

نعيمة أقصبي: صوت من الزمن الجميل

نعيمة أقصبي: صوت من الزمن الجميل
Music

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟

لماذا لم يعد المغاربة يذهبون إلى السينما؟
ملف الوقائـع الأسبوعي

تابعوا الوقائع على فايسبوك

المتابعة بالبريد الإلكتروني

الوقائع بريس

مـن هنـا يبـدأ الخبـر مـن الوقائـع بريـس ..

لمـاذا الوقـائـع بـريـس؟

مـن نحـن؟